فخر الدين الرازي
149
تفسير الرازي
إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ) * إعلم أن في الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله * ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ) * يحتمل أن يكون ابتداء خبر من الله ويحتمل أن يكون حكاية عن الرسول والمؤمنين على نسق الكلام في قوله * ( وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ) * ( البقرة : 285 ) وقالوا * ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ) * ويؤيد ذلك ما أردفه من قوله * ( ربنا لا تؤاخذنا ) * ( البقرة : 286 ) فكأنه تعالى حكى عنهم طريقتهم في التمسك بالإيمان والعمل الصالح وحكى عنهم في جملة ذلك أنهم وصفوا ربهم بأنه لا يكلف نفساً إلا وسعها . المسألة الثانية : في كيفية النظم : إن قلنا إن هذا من كلام المؤمنين فوجه النظم أنهم لما قالوا * ( سمعنا وأطعنا ) * فكأنهم قالوا : كيف لا نسمع ولا نطيع ، وأنه تعالى لا يكلفنا إلا ما في وسعنا وطاقتنا ، فإذا كان هو تعالي بحكم الرحمة الإلهية لا يطالبنا إلا بالشيء السهل الهين ، فكذلك نحن بحكم العبودية وجب أن نكون سامعين مطيعين ، وإن قلنا : إن هذا من كلام الله تعالى فوجه النظم أنهم لما قالوا * ( سمعنا وأطعنا ) * ثم قالوا بعده * ( غفرانك ربنا ) * دل ذلك على أن قولهم * ( غفرانك ) * طلباً للمغفرة فيما يصدر عنهم من وجوه التقصير منهم على سبيل العمد فلما كان قولهم : * ( غفرانك ) * طلباً للمغفرة في ذلك التقصير ، لا جرم خفف الله تعالى عنهم ذلك وقال : * ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ) * والمعنى أنكم إذا سمعتم وأطعتم ، وما تعمدتم التقصير ، فعند ذلك لو وقع منكم نوع تقصير على سبيل السهو والغفلة فلا تكونوا خائفين منه فإن الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها ، وبالجملة فهذا إجابة لهم في دعائهم في قولهم * ( غفرانك ربنا ) * . المسألة الثالثة : يقال : كلفته الشيء فتكلف ، والكلف اسم منه ، والوسع ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه ، قال الفرّاء : هو اسم كالوجد والجهد ، وقال بعضهم : الوسع دون المجهود في المشقة ، وهو ما يتسع له قدرة الإنسان . المسألة الرابعة : المعتزلة عولوا على هذه الآية في أنه تعالى لا يكلف العبد ما لا يطيقه ولا يقدر عليه ، ونظيره قوله تعالى : * ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) * ( الحج : 78 ) وقوله * ( يريد الله أن يخفف عنكم ) * ( النساء : 28 ) وقوله * ( يريد الله بكم اليسر ) * وقالوا : هذه الآية صريحة في نفي تكليف ما لا يطاق ، قالوا : وإذا ثبت هذا فههنا أصلان الأول : أن العبد موجد لأفعال نفسه ، فإنه لو كان موجدها هو الله تعالى ، لكان تكليف العبد بالفعل تكليفاً بما لا يطاق ، فإن الله تعالى إذا خلق الفعل وقع لا محالة ولا قدرة البتة للعبد على ذلك الفعل ولا على تركه ، أما إنه لا قدرة له على الفعل فلأن ذلك الفعل